استقرار العالم يبدأ من القدس وينتهي من فلسطين كما يكتب اللواء/ محمود الناطور (ابو الطيب(

0
21

لم تكن لتمر هذه اللحظة الحاسمة في تاريخنا من دون ان نعرج على حدث يطال مدينة المعراج ،، لأنها القدس ،، الآية والغاية والبراق” لأنها القدس الطهور.. ولأنها الصخرة والمعراج، ولأنها القيامة والمحراب ومبعث النور، ولأنها الثورة والشهادة وزهرة المدائن، فكما قال الشاعر تميم البرغوثي :

يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً،

فالمدينةُ دهرُها دهرانِ

دهر أجنبي مطمئنٌ لا يغيرُ خطوَه وكأنَّه يمشي خلالَ النومْ

وهناك دهرٌ، كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ حِذار القومْ

مخطىء من يعتقد ان الاقتراب من القدس من الممكن ان يمر كما أي حدث ، او خطيئة لاي عابر في تاريخ المدينة الاعرق في الحياة الانسانية قاطبة ،، لانها القدس ، يجب ان نقول لكاتب التاريخ مهلا ، انها القدس ، انها بوابة السماء ، انها ميزان العدل في الارض ، انها الخط الفلسطيني الاحمر ، انها الخط العربي ، انها الخط الاسلامي ، انها الخط المسيحي ، انها مدينة الخطوط الحمراء لكل الاديان السماوية. فليتجرأ من يتجرأ ، ولكنها ستبقى القدس ، وسيكون الجميع عابرون في كلام عابر ، وفي تاريخ غابر.

كان لابد من هذه المقدمة ، التي نذكر بها انفسنا ونذكر الجميع ، بأهمية وخطورة هذه اللحظة التي نعيشها ونقف امامها جميعا، في فلسطين والمنطقة والعالم اجمع ، ويبقى الحديث عن ماهية الحدث الذي قد وقع والذي اعتبره البعض لحظة فارقة في تاريخ الصراع معتبرين ان قرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال والكيان الصهيوني ومؤكدا على نقل السفارة الامريكية الى هناك ، معتبرا ان ذلك صفحة من التاريخ مؤجلة وطال انتظارها ، واحبط البعض ، بل واحبط الكثيرون معتبرين اننا قد وصلنا الى المرحلة الاخطر والاضعف في تاريخنا العربي والاسلامي والمسيحي، والايذان بالعصر الصهيوني ، الذي سيحكم العالم وبات يتحكم بالفعل بالمقدرات والمقرارات الدولية والعالمية.

ولكننا في المقابل يجب ان نتطلع الى هذا الامر من منظور مغاير ، ليس من قبل عدم الواقعية السياسية، ولكن من زاوية الايمان بحتمية انتصار الشعوب الحرة في صراعها مع اعداءها ، ومن زاوية ان هذا الحدث يعني فيما يعنيه انكشاف الاقنعة وسقوطها ، وانقشاع الغشاوة التي أصابت اعين الكثير من المراهنين على كذب وافتراءات عملية السلام ، التي بشر بها الكثيرون وهللوا لها في المشرق والمغرب ، معتقدين ان الخير والشر من الممكن ان يلتقيا في صلح تاريخي يتنازل فيه اصحاب الحق عن حقوهم لصالح قوى الشر والظلم.

هذه اللحظة التاريخية الفارقة كشفت انه ومهما تقنع الشر بلباس التقوى فانه يظل شرا مطلق لا يقبل بوجود الاخرين ، ولا يقبل الا انتهاءهم حتى يرضى بعد ان يوغل في دمائهم ، هذه اللحظة كشفت اننا بالامكان ان نراهن على قوة وارادة الشعوب مهما تآمرت عليه قوى الشر والطغيان ، هذه اللحظة كشفت انه لا يمكن للشعوب وارادتها ان تموت وانه لازال هناك الامل الذي دوما ودائما نحيا به ومن اجله ،

لقد كان الشهيد ياسر عرفات ، يراهن دائما على هذه الارادة الشعبية ، وارادة الجماهير ، التي اعتبرها دائما بمثابة الرافعة للثورة الفلسطينية المعاصرة ، والمدد الحقيقي لها ،، وعندما وجد ان الفرصة مواتية للوصول الى عملية سلام تعيد جزء من الحق الفلسطيني ، وتقيم بدايات مشروع الدولة الفلسطينية ، على الارض الفلسطينية ، وعلى أي جزء يتم تحريره من الارض الفلسطينية ، ومن هنا كان مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية ، التي اصر على تسميتها بهذا الاسم مخالفا الاتفاقيات الموقعة مع العدو الاسرائيلي.

وبالرغم من انه كان صادقا في المضي في تنفيذ الاتفاقيات ، الا ان اغتيال رئيس الوزراء يتسحاق رابين من قبل قوى اليمين الاسرائيلي المتطرف ، والذي نجح في السيطرة على مقدرات دولة الكيان منذ تاريخه حتى الان، اصبحت عملية السلام في مهب الريح ، حتى جاءت نتائج مفاوضات كامب ديفيد التي تعرض خلالها لضعوط كبيرة من الرئيس الامريكي الاسبق بل كلينتون ، والذي حاول الوصول الى صفقة سياسية ينهي بها التاريخ السياسي حتى ولو كان على حساب الحق الفلسطيني. الا ان صلابة الشهيد عرفات حالت دون ذلك.

وكانت تجربة حزب الله والحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في جنوب لبنان عام 2000م تكثفت ضربات المقاومة لذلك جاء قرار العدو الصهيوني بالانسحاب من جنوب لبنان نتيجة فعل الضربات العسكرية الموجعة التي وجهتها الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية والقوى الاسلامية لقوات الاحتلال الاسرائيلي وعملائه في جنوب لبنان والتي دفعته الى الهروب وليس الانسحاب من جنوب لبنان.

ونتيجة اخرى ان المقاومة في قطاع غزة وكثرة عملياتها ضد المستوطنات الصهيونية مما اجبرت شارون على تفكيك المستوطنات والانسحاب من قطاع غزة، كل هذا كان ماثل امام الشهيد ياسر عرفات والذي وصل الى قناعة تامة ان هناك “احتلال مكلف” و “احتلال غير مكلف” وان مفهوم التكلفة هنا يتمثل في الخسائر البشرية.

وهنا تلقف الشهيد ياسر عرفات هذه التجربة واراد تكرارها فبدأ بالفعل في تجهيز الامكانيات المادية والعسكرية للمواجهة المحتملة مع العدو الاسرائيلي، فقام بالاشراف على تهريب كميات كبيرة من الاسلحة الى الاراضي الفلسطينية ، ولعل السفينة كارين أي خير شاهد على مخططات الشهيد القائد ياسر عرفات والتي اعترف العدو الاسرائيلي انها كانت تحمل اطنان من الاسلحة والمتفجرات كان بامكانها ان تقلب التوازن العسكري في انتفاضة الاقصى.

لقد كان يكرر دائما ان امتلاك المقاومة الفلسطينية للسلاح بامكانه ان يقلب المعادلة ويزيد من خسائر العدو ويعزز من نظرية الاحتلال المكلف على الارض الفلسطينية لان العدو الصهيوني اذ لم يكن احتلاله للضفة الغربية غير مكلف لا يمكن الانسحاب منها.

لقد كانت هذه ارادة الاحرار ، وارادة الشرفاء، الذين جعلوا من فلسطين ، اسما ، على خارطة الامم ، لا يمكن تجاوزه ، ولذلك كانت الوفود التي تقوم بزيارة الشهيد الرمز ابو عمار في حصاره ، لا تعد ولا تحصى ،، فالامن والاستقرار العالمي يبدأ من فلسطين ، وينتهي من فلسطين.

كان تلك هي الرسالة وتلك هي الوصية ، ولذلك لم يكن خروج ابو عمار من المشهد العالمي ، وكذلك خروج فلسطين من هذا المشهد، بالامر الهين والممكن تحقيقه وبكل سهولة ، فالحياة ليست مفاوضات ، وانما الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى ، ولتنتصر.

اترك تعليق :

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا